Source: Union of Arab Banks | 11 August 2026 | Country: فندق فينيسيا – بيروت

كلمة الدكتور جوزف طربيه في المؤتمر العربي الاقليمي لمواجهة غسل الاموال ومكافحة تمويل الارهاب

كلمة الدكتور جوزف طربيه في المؤتمر العربي الاقليمي لمواجهة غسل الاموال ومكافحة تمويل الارهاب

كلمة الدكتور جوزف طربيه

رئيس الإتحاد الدولي للمصرفيين العرب

رئيس اللجنة التنفيذية لاتحاد المصارف العربية

في "المؤتمر العربي الاقليمي لمواجهة غسل الاموال ومكافحة تمويل الارهاب"

فندق فينيسيا – بيروت          في 11-12 آب 

دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام المحترم، راعي هذا المؤتمر

أيها الحضور الكريم،

يسعدني أنأرحب بكم جميعاً، وأتقدم بجزيل الشكر والتقدير الى دولة رئيس مجلس الوزراء على تكرّمه برعاية هذا المؤتمر، والشكر ايضاً موصول الى مجلس ادارة كل من اتحاد المصارف العربية والاتحاد الدولي للمصرفيين العرب الذين اختارا لبنان لعقد هذا المؤتمرالاقليمي الهام لمواجهة غسل الاموال ومكافحة تمويل الارهاب، في لحظة سياسية واقتصادية بالغة الدقة، حيث تجذب منطقة الشرق الأوسط الإهتمام العالمي في السياسة الدولية، كما يعود لبنان لاسترداد دوره كلاعب فاعل على الصعيد العربي في مقاربة المواضيع ذات الإهتمام المشترك

في الواقع لم تعد مكافحة غسل الاموال وتمويل الارهاب، مجرد التزام قانوني او إجراء مصرفي تفرضه المعايير الدولية.  لقد تحوّلت هذه المواجهة الى واحدة من أهم معارك حماية الإقتصاد الوطني، وصون استقرار النظام المالي، والحفاظ على ثقة المجتمع الدولي بالدول ومؤسساتها المالية

وفي لبنان والعالم العربي، تزداد أهمية هذه المعركة في ظل التحولات الجيوسياسية والإقتصادية التي تشهدها المنطقة واتساع الاقتصاد النقدي، وتطوّر وسائل تحويل الاموال، وظهور ادوات مالية وتكنولوجية جديدة يمكن ان تستغلها الشبكات الإجرامية والإرهابية.  وقد قطعت الدول العربية شوطاً مهماً في بناء الأطر التشريعية والمؤسساتية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بالتعاون مع مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا(MENAFATF)بما يتوافق مع المعايير الدولية، ولكن المعضلة الأساسية هي في مدى الإمتثال لهذه القوانين ومدى فعالية تطبيقها.  ويعتبر هذا التحدي جوهر المرحلة الحالية

وعلى هذا الصعيد، من الخطأ النظر إلى المصارف باعتبارها سبب المشكلة.  فالمصارف هي في الواقع خط الدفاع الأول في مواجهة الأموال غير المشروعة، وهي صاحبة المصلحة الاولى في حماية كياناتها ومصالح مساهميها ومودعيها واقتصادات بلدانها.  وإن اي استثمار تبذله على هذا الصعيد، هو استثمار في استمرارية المصرف وسمعته وقدرته على العمل في النظام المالي العالمي، وان نجاح اي بلد في مكافحة تبييض الاموال يتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز حدود القطاع المصرفي وتشمل مراقبة الشركات والتجارة وتملك العقارات ومختلف القطاعات التي يمكن ان تشكل منافذ لتبييض الاموال، ويساهم في انجاحها يقظة السلطة القضائية وتعاون المهن التي هي على تماس مع قطاعات الاعمال ككتّاب العدل والمحامين والمحاسبين، وشركات تحويل الاموال، والصرافيين وغيرهم

أيها الحضور الكريم،

على الصعيد الإقليمي، لا يمكن لاي دولة عربية ان تواجه غسل الاموال وتمويل الارهاب بصورة منفردة، بعد ان اصبح العالم يدار بمنطق التكتلات الاقتصادية، والتحالفات وسلاسل الامداد، والدخول بمنظومات اكبر تمنحها قيمة ودوراً اهم.  فالاموال يمكن ان تنتقل سريعاً من دولة الى اخرى، وقد يكون مصدرها دولة، والوسيط في دولة ثانية والمستفيد النهائي في دولة ثالثة.  ولذلك فإن التعاون بين دولنا ووحدات المعلومات المالية فيها والسلطات الرقابية والسلطات الضريبية والامنية والقضاء، إضافة الى التعاون العربي والدولي لم يعد خيارا بل اصبح ضرورة.

وفي الواقع ان منطقتنا تواجه بمجملها تحديات هي الاخطر منذ عقود، حروب سفكت دماء وخلّفت دمارا وصراعات مسلّحة وبدّلت في اداء اقتصادات وحولت دولا دائنة الى مدينة.  ومن ينظر الى خريطة الشرق الاوسط اليوم، يلاحظ ان الحروب الدائرة لم تعد حروبا عسكرية فقط، بل هي تدور بكل انواع الاسلحة وخاصة سلاح العقوبات، بفعل دولرة الاقتصادات وتأثر حركة التمويل الدولي والبنوك المراسلة، بالضغوط السياسية والمالية الخارجية

إن التحديات التي تواجه دولنا العربية متشابهة الى حد كبير، لكن الامكانات المؤسساتية والتقنية للتعامل معها تختلف بين دولة واخرى.  وهنا تبرز اهمية التعاون وتنسيق العمل بين الجهات الرقابية والامنية وتبادل التجارب الناجحة في التحقيق المالي وملاحقة شبكات تبييض الاموال وتمويل الارهاب

وفي الواقع تولي دولنا هذا الموضوع اهمية قصوى، وخاصة في ضوء التحديات والتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها منطقتنا، ومخاطر العقوبات التي تواجه اقتصاداتنا، في ضوء الهشاشة الاقتصادية في بعض الدول التي تجعل من العقوبات أكثر وجعا وايلاماً.  ولا يخفى على احد ان العقوبات الاقتصادية، وما يتبعها من تجميد الاصول وتحقيقات مالية وجنائية، باتت تستخدم اليوم كسيف مسلط وسلاح مدمر على دول العالم كله، تلجأ اليه الدول العظمى للدفاع عن مصالحها السياسية والاستراتيجية، ويساعدها في ذلك امساكها بالمفاصل الاساسية للاقتصاد العالمي.  وحيث تبدو مثلاً وزارة الخزانة الاميركية اليوم، بإجراءاتها أكثر سطوةً وتأثيراً من وزارة الحرب على السياسات العامة للدول

والمعلوم ان العقوبات الاقتصادية تنتج مخاطر سمعة للدول بشكل عام، وللمصارف والمؤسسات المالية بشكل خاص قد تؤدي الى زوالها من الوجود تحت شعارات كبرى مثل مكافحة تبييض الأموال، وتمويل الإرهاب، ومحاربة الفساد وغيرها

أيها الحضور الكريم،

بينما نجتمع هنا اليوم  في بيروت، اتناول بقلب مثقل، التحديات التي عانى منها لبنان خلال السنوات الاخيرة، وفي مقدمتها، الأزمة المالية التي نشأت من تراكم اختلالات نقدية ومالية لسنوات دون اتخاذ إجراءات تصحيحية في الوقت المناسب.  وإن كان من المهم الإشارة الى أن الازمة نتجت عن مجموعة من العوامل المتداخلة المالية والسياسية والاقتصادية، وليس عن عامل واحد فقط.  وكذلك يرزح لبنان تحت الحرب الدائرة في جنوبه، والتي يختلط فيها العسكري بالإقتصادي وبالسياسي، والمحلي بالاقليمي وبالدولي.  وتتقاطع فيه مصالح دولية تظهر تردّداتها في معظم الملفات الداخلية والخارجية

وفي الحالة اللبنانية، تكتسب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أهمية استثنائية، نظراً إلى حساسية موقع لبنان في النظام المالي الإقليمي والدولي، وأهمية علاقاته بالمصارف المراسلة والمؤسسات المالية العالمية، والتي لا تزال محافظة على علاقاتها التاريخية مع المصارف اللبنانية، مما يتطلب جهوداً مسؤولةً للمحافظة على هذه الثقة، حيث أن التجارة الخارجية للبنان، استيراداً وتصديراً، تعتمد أساساً على النظام المصرفي لتنفيذها، وقد بلغت فاتورة الاستيراد عام 2025 حوالي 19 مليار دولار أميركي وايرادات التصدير حوالي 3.3 مليار دولار اميركي، وقد استطاعت المصارف اللبنانية خدمتها بعلاقاتها مع المصارف المراسلة، بكثير من السلاسة، على رغم الازمة المالية في لبنان، وإدراجه على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي

إن تعزيز فعالية منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في لبنان لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط كاستجابة لمتطلبات دولية، بل كجزء من عملية استمرار الثقة بالقطاع المالي اللبناني.  وهذا يتطلب تعزيز استقلالية وفعالية الجهات الرقابية والقضائية المختصة، وتطوير أنظمة الامتثال في المصارف، وتحسين جودة المعلومات المالية، وتطبيق قواعد المستفيد الحقيقي، وتعزيز التعاون بين مختلف المؤسسات المعنية

إن العالم العربي، بما فيه لبنان، يقف أمام مرحلة جديدة في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.  فقد انتقلت المواجهة من مرحلة بناء القوانين والمؤسسات إلى مرحلة أكثر صعوبة، هي إثبات الفعالية وتحقيق النتائج.  وهذا يتطلب إرادةً سياسيةً ومؤسسات قوية وقضاءً متخصّصاً وقطاعاً مصرفياً متطوراً وتكنولوجيا حديثةً وتعاوناً عربياً فاعلاً، وهو ما ينشط اتحاد المصارف العربية على تفعيله من خلال اتصالاته ومؤتمراته

وفي النهاية، فإن المعركة ضد الأموال غير المشروعة ليست معركة المصارف وحدها، ولا الأجهزة الأمنية والقضائية وحدها، بل هي معركة حماية الإقتصاد والدولة والمجتمع

المعركة الحقيقية هي بين اقتصاد تحكمه القواعد، واقتصاد أسود تتحرك فيه الاموال بعيداً عن الرقابة

والرسالة التي نطلقها من العالم العربي الى النظام المالي الدولي واضحة:

نحن نريد نظاماً مالياً آمناً، ونريد تعاوناً دولياً حقيقياً لمكافحة تبييض الاموال، لكننا نريد أن يكون الامتثال قائماً على القانون والمخاطر والادلة، لا على الخوف، وأن تكون مكافحة غسل الاموال وسيلة لحماية الاقتصاد، لا اداة لعزله

وكلما نجحت الدول العربية في الإنتقال من مجرد الإلتزام بالمعايير الدولية إلى بناء منظومات فعّالة قادرة على كشف الأموال غير المشروعة وملاحقة أصحابها واستردادها، أصبحت أكثر قدرةً على حماية اقتصاداتها، وتعزيز ثقة المستثمرين، وترسيخ استقرار أنظمتها المالية

- وشكراً لإصغائكم -

دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام المحترم، راعي هذا المؤتمر

سعادة حاكم مصرف لبنان الاستاذ كريم سعيد المحترم

أصحاب المعالي والسعادة والسيادة، الزملاء المصرفيين، ممثلي المؤسسات العربية والدولية

سعادة السيد محمد الاتربي، رئيس مجلس ادارة اتحاد المصارف العربية

أيها الحضور الكريم،

Cookie Policy

We use cookies to store information about how you use our website and show you more things we think you’ll like. Also we use non-essential cookies to help us improve our digital services. Any data collected is anonymised. By continuing to use this site, you agree to our use of cookies. If you'd like to learn more, please head to our cookie policy. page.
Accept and Close